البغدادي
339
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
فقال رجل من غنيّ لعامر والطفيل ابني مالك بن جعفر بن كلاب : هذا رجل معلم بعمامة حمراء ، في رأسه جرح ، رأيته يسند « 1 » في الهضبة - أي : يصعد - وكان معبد قد طعن فصرع ، فلما أجلت عنه الخيل سند في هضبة من رحرحان ، وهو جبل ، فقال عامر وأخوه الطفيل للغنوي : اسند واحدره . فسند الغنويّ فحدره عليهما ، فإذا هو معبد بن زرارة . فأعطيا الغنويّ عشرين بكرة ، وصار أسيرهما . وأما درواس [ بن هنيّ ] ، أحد بني زرارة ، فزعم أن معبدا كان برحرحان متنحيا عن قومه في عشراوات له ، فأخبر الأحوص بمكانه فاغترّه ، فوفد لقيط بن زرارة عليهم في فداء أخيه ، فقال : لكم عندي مائتا بعير . فقالوا : إنّك يا أبا نهشل سيّد الناس ، وأخوك معبد سيد مضر ، فلا نقبل فداءه منك إلا دية مالك . فأبى أن يزيدهم ، وقال : إن أبانا أوصانا « 2 » أن لا نزيد بأسير منّا على مائتي بعير فيحبّ الناس أخذنا . فقال معبد : واللّه لقد كنت أبغض إخوتي إليّ وفادة عليّ ، لا تدعني ويلك يا لقيط ، فو اللّه إنّ عدّة نعمي لأكثر من ألف بعير « 3 » ، فافدني بألف بعير من مالي ! فأبى لقيط ، وقال : تصير سنّة علينا . فقال معبد : ويلك يا لقيط ، لا تدعني فلا تراني بعد اليوم أبدا ! فأبى [ لقيط ] ومنّاه أن يغزوهم ويستنقذه ، ورحل عن القوم ، فما سقوا معبدا الماء ، حتى هلك هزلا . وقال أبو الوثيق : لّما أبى لقيط أن يتفادى معبدا بألف بعير ، ظنّوا أنه سيغزوهم ، فقالوا : ضعوا معبدا في حصن هوازن . فحملوه ، حتى وضعوه بالطائف ، فجعلوا إذا سقوه قراه لم يشرب وضمّ بين فقميه ، وقال : لا أقبل قراكم وأنا في القدّ أسيركم ! فلما رأوا ذلك ، عمدوا إلى عود فأولجوه في فيه ، وفتحوا فاه ، ثم أوجروه اللبن رغبة في فدائه ؛ وكراهية أن يهلك . فلم يزل كذلك حتى هلك في القدّ . فلما هجا لقيط عديّا وتيما ، قال عطية بن عوف التيمي ، يعيّره أسر بني عامر معبدا ، وفراره عنه :
--> ( 1 ) في النسخة الشنقيطية : " يستدمي " . وهو تصحيف صوابه من طبعة بولاق والنقائض ص 227 . ( 2 ) في النقائض ص 227 : " إن أبانا كان أوصانا " . ( 3 ) في النقائض : " فو اللّه إن غيّب نعمي من المنح والفقر لأكثر من ألف بعير ، فافدني بألف بعير من مالي . . " . والغيب : جمع غائب . والفقر : جمع فقرى ، وهي الناقة أو البعير يعار ظهره للركوب .